صحيفة الجزيرة الخميس 14/جمادى الأول/1428 هـ الموافق 31/مايو/2007 كتابة: عبدالله بن عبدالرحمن الزَّيد
| عد الساعة العاشرة بقليل، كنتُ أغادر مبنى الإذاعة في إحدى ليالي الخريف من عام 1401هـ، بعد أنْ أنهيتُ فترة إذاعية مسائية بدأت من الساعة السادسة مساءً .. في طريقي المتَّشح بصمت الأمسيات المثرية إلى المنزل، كنتُ أمنِّي الذائقة والاستمتاع بحلقة سهرة تلك الليلة من برنامج (استوديو رقم واحد) الأسبوعي الذي سيبدأ الساعة الحادية عشرة والنصف، ويعدّه الزميل المخرج الكبير (عبدالرحمن المقرن)… |
| ..ويقدِّمه الزميل الأستاذ (إبراهيم الصقعوب) – مدير عام الإذاعة حالياً – في تلك السنة لم يمض عليَّ وعلى الأستاذ إبراهيم في الإذاعة أربع سنوات بعد ..تولّى الأستاذ إبراهيم الصقعوب تقديم البرنامج بعد الأستاذين: الراحل الكبير (إبراهيم الذهبي) شيخ الإذاعيين العرب – رحمه الله -، والإذاعي القدير الأستاذ (محمد الرشيد العثمان) أطال الله في عمره ومتّعه بالصحة والعافية اللذين تركا للإذاعي الشاب الصقعوب مهمة تقديم البرنامج، حيث أبدع في تقديمه بشكل جميل.. |
| من قسمات وملامح جوّ الاستماع إلى البرنامج أنِّي قمت بتحضير الشاي، واختيار بعض ما كان بقربي من الصحف والمجلات والكتب الشعرية، ومن الطَّبعي أنّ المذياع الآن وقبل بدء البرنامج يعلن انتهاء الفترة الإخبارية الرابعة لذلك اليوم .. وبدأ البرنامج يتدفّق بتفاعل الزميل إبراهيم مع الجمهور والمشاركين ويطلُق تلك الضحكات المؤنسة التي اشتهر بها.. |
| نسيت أن أقول: إنّ البرنامج برنامج جماهيري ويُعنى بالمواهب الجديدة في التمثيل والتقليد والموسيقى والغناء والشعر، ويَفِد إليه أسبوعياً جملة من المشاركين الطامحين إلى مراحل مميّزة من التفوُّق في الساحة الفنية فيما بعد.. |
| توالت فقرات البرنامج مختلفة متنوعة تأخذ نصيبها من الرضا والقبول لدى الجمهور والمستمعين، ويتنوّع ذلك النصيب تبعاً لمستوى المشاركة. |
| من بين تلك الفقرات كانت هناك فقرة قوية جداً واستثنائية، تلك الفقرة التي شارك بها فنان شاب لم يتجاوز العشرين من عمره آنذاك، كان اسمه (بدر المدلج) وأدّى لحناً تطريبياً قام هو بإعداده، وبدأ بعزف جميل على العود وبموّال من الأغنية ذاتها وشاركت معه الفرقة الموسيقية الموجودة في البرنامج في التنويع على اللحن، وغنّى أبياتاً شعبية جميلة تقول: |
| (كم تعذّبت أحاول كم تمنّيت أجيهُمْ |
| بسّ رجلي قصيرة والبلا في الطريقْ |
| كم نويت أتقدّمْ للعدِلْ واشتكيهُمْ |
| واكْشِف أسرار حبّي للعدو والصديقْ |
| يا عيوني تحلَّيْ بالصبر وامسحيهُمْ |
| امسحي دموع ذكر مثل ذكر الغريقْ |
| مثل ذكر المسافر يم ربعه يبيهُمْ |
| يوم وَصْل المنازل ما وِجَدْ لِهْ نطيقْ |
| ما وِجَدْ غير طَرْقٍ معترضْ في مِدِيهُمْ |
| غَيَّر الوقت لونه صار مثله رقيقْ |
| حسبي الله على اللي شارك القلب فيهُمْ |
| واجبر العين تبكى والنواعس تفيقْ) |
| وبرغم تجلِّى هذا النص وتجاوزه للعادية والسطحية التي تعتري كثيراً من نصوص الأغنيات، لم يذكر اسم الشاعر في البرنامج، غير أنِّي عرفتُ أنّه لشاعر لا يعشق الشهرة والظهور، ولم تطأ صورته أيّ صفحة فنية أو شعرية ولم يسمع به مشاركاً في الأمسيات والمناسبات إنّه الشاعر الرائع: (فهد الجغيمان) الموظف البسيط في رعاية الشباب وما زال حتى الآن محافظاً على نضارة اسمه وشخصيته وقصائده، وإلى هذه اللحظة لم أسمع له ولم أقرأ له سوى هذا النص الذي غنّاه (بدر المدلج) في برنامج (استوديو رقم واحد) عام 1401هـ. |
| الشاهد هنا أني بعد أن استمعت إلى الأغنية – التي سجَّلتها آنذاك وما زلت استمع إليها حتى الآن – توقعتُ وبشكل لا يقبل الجدل أنّ ذلك الشاب ذا الصوت الجميل الآسر الذي يشبه إلى حدٍّ كبير صوت فنان الشرق والعالم العربي دون منازع الراحل الكبير الأستاذ (طلال مداح) أنّه سيتفوّق على مجايليه، وأنّه سيَتَسَيَّد الساحة الفنية، وسيكون له شأن فني خطير، فقد كان صوته وأداؤه وحضوره وموهبته التي لا يختلف حولها اثنان كانت كفيلة باستقطاب الشعراء والملحنين والإذاعة والتلفزيون والمسرح وجمعية الثقافة والفنون وكل من يهتم بالمسألة الفنية الغنائية التي كانت مقبلة على عهد جديد يتّسم بالتنوُّع والمنافسة وتأصيل الأعمال الفنية بشكل علمي مدروس .. |
| وكان (بدر المدلج) منافساً لا يُجَازِفْ أحد من جيله أن يدخل معه في أيّ نوع من أنواع المقارنة؛ وذلك لحضور موهبته الفنية التي كانت في حاجة آنذاك إلى الدراسة والثقافة والدعم من قِبل المعنيّين بالمسألة الفنية الغنائية .. لكن ما الذي حصل؟.. |
| الذي حصل شيءٌ أهوِّنه أحياناً وأصنِّفه ضمن الأقدار المكتوبة التي لا مناص من الامتثال لها، وأحجّمه في أغلب الأحيان وأعاني منه إلى درجة الشعور بالكارثة.. |
| الذي حصل أنّ تلك المشاركة من ذلك الفنان الشاب المتطلع كانت هي أول وآخر حضور له في هذا الشأن، فقد اختفى ذلك الشاب الموهوب ولم أسمع عنه ولم أسمع به بعد ذلك .. ولا أدري وقد مرَّ على هذه الحكاية أكثر من سبعة وعشرين عاماً ما مصيره ونهايته وماذا حصل له وما ظروفه وإشكاليته!! |
| ندلف الآن، وندخل، و نسجل المعاناة والشكوى من إشكاليتنا في المنطقة الوسطى المتمثلة في تحقُّق جدلية اختفاء الفنان وانتهائه وتوقُّفه عن تنفيذ ما يُسِّرَ له في تكوينه الذاتي وما تعنيه موهبته وتجليه!! والأمر الذي يزيد من فداحة هذه الإشكالية في جدليتها أنّ المسألة في كارثيتها ليست – فقط – خاصة ومتعلقة بعوالم المواهب الجديدة والهواة والذين يعلنون عن بداياتهم، وإنّما تعدّت إلى شخصيات فنية لها حضور معتمد ولها أعمال عديدة وموثقة في الإذاعة والتلفزيون. وهنا أفقت من مأساة (بدر المدلج) إلى مآسي أسماء فنية قدّمت في فترات سابقة جملة من الأعمال الفنية الجيدة وهي الآن في غياهب النسيان والاختفاء والفقدان .. أتذكّر منهم: (حمدي سعد)، (فهد وعبدالله السلّوم)، (عبدالرحمن الحسين) و(عبدالعزيز الحسين) الذي قدّم في التسعينات الهجرية مجموعة من الأغنيات التي لا تنسى مثل أغنية (مع السلامة) وغيرها، ومنهم (شادي الرياض سعد اليحيى) و(عبدالله النصار) و(عبدالعزيز عبدالله) و(عدنان خالد)، كما لا ننسى (صالح السيد) ومشاركاته الفنية .. و(عبدالله الجساس)، ومحمد عبدالعزيز وأريد أن أخص بالإشارة والتنويه الفنان المتألِّق (عودة العودة) الذي غنّى (لو تغيب) ذات المستوى الفني المثري وغنى (وبِتْسافر) و(العيون الناعسين) وغيرها .. ولا ننسى كذلك (عبدالعزيز الراشد) و(أحمد الراشد) – رحمه الله – وكذلك (سالم الحويل) و(سلامة العبدالله) قبل وفاته – رحمه الله – و(فهد بن سعيد) – رحمه الله – و(عبدالله الصريخ)! |
| ولعل الأستاذ الراحل (سعد إبراهيم) – رحمه الله – شكَّل علامة استفهام حين عبّر عن شكواه من الجحود والنسيان قبل وفاته.. |
| إذاً ما السّر في تكون هذه الجدلية وتواليها عبر السنوات الماضية؟ وهنا لا مجال للتحليل والتعليل والتفسير الذي يأخذ شكل التكهنات البائسة ولكن المجال كل المجال هو في الدعوة الحقيقية الجادة إلى تكوين لجان فنية ثقافية لدراسة هذه الجدلية والاطلاع على أحوال مَنْ هو موجود من الفنانين الغائبين عن ساحة العطاء والتطوُّر والتفوُّق والارتقاء! |
| فالمسألة في حسابات الحياة والإضافات ليست قضية إنسان يُغنِّي ويكسب ثم ينتهي، ولكنها أكثر أبعاداً من ذلك، لأنّها تتعلّق بتكوُّنات وأجيال من بناء هرم حيوي يعبر عن حضارة الإنسان ورقيه وتقدُّمه باتجاه التحوُّلات المجدية في سبيل مجتمعات أكثر وعياً ونبلاً وتعدُّديّة واستيعاباً لمستجدات التفوُّق والتجلِّي والفتوحات الإنسانية التي لا تنتظر أحداً، أو تتوقف من أجل أحد، وتلك هي الجدلية التي ينبغي أن نسجل حضورنا متوهجاً بين ثناياها ولغتها وسياقاتها بدلاً من أن نتفرّج بغباء فادح على مشاهد الموت والاستلاب التي تجتاح عالمنا دون هوادة .. وتلك هي المسألة. |

